الجمعة، 16 أبريل 2010

غربلة البشر في العهد القديم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة السادسة

غربلة البشر في العهد القديم

كما قرأنا في العهد القديم , حتى نهاية الإصحاح التاسع , لم نجد أي دعوة من أي نبي إلى الله . وإنما قرأنا فساد البشر , وانتقام الرب منهم بالطوفان . لكننا دخلنا في منعطف خطير للغاية , وهو غربلة الناس , ابتداء من إخراج حام ( أبو كنعان ) من دائرة الحرية , إلى دائرة العبودية , نقرأ ذلك بوضوح في قوله :

فقال ملعون كنعان.عبد العبيد يكون لاخوته. 26 وقال مبارك الرب اله سام.وليكن كنعان عبدا لهم. 27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام.وليكن كنعان عبدا لهم 28

فهل الغربلة ستستمر حتى يصطفي الرب شعبا مُعينا من بين شعوب الأرض ليكون الابن المُدلل عنده ؟!

نلاحظ أن نوحا ( عليه السلام ) حسب العهد القديم لعن كنعان كلهم المنسوبين إلى حام , مع أن حام هو من دخل على أبيه وهو مخمور وعريان , ورغم أن هذه لم تكن جريمة تستحق اللعن والتفريق بين الإخوة , لا دينا ولا منطقا , إلا أن لها دلالاتها المستقبلية سنعرفها فيما بعد . ولكن ماذا عن هذه النبوءة ؟ هل تحققت ؟ أو هل تحقق اللعن والعبودية ؟ سرعان ما سنجد العهد القديم يذكر أسماء الشعوب والقبائل التي انحدرت من أبناء نوح ( عليه السلام ) وكان لكل منهم أراضٍ وتخوم , وكنعان لم يصبح عبدا لإخوته , كما أن يافث لم يسكن بمساكن سام . بل أصبح لكلٍ لغته وحياته المستقلة عن الآخر . إقرأوا إن شئتم الإصحاح العاشر من سفر التكوين , فلن أنقله هُنا حتى لا أثقل على القاريء .

يبدأ الإصحاح الحادي عشر بالسرد قائلا :

وكانت الارض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة. 2 وحدث في ارتحالهم شرقا انهم وجدوا بقعة في ارض شنعار وسكنوا هناك. 3 وقال بعضهم لبعض هلم نصنع لبنا ونشويه شيا.فكان لهم اللبن مكان الحجر وكان لهم الحمر مكان الطين. 4 وقالوا هلم نبن لانفسنا مدينة وبرجا راسه بالسماء.ونصنع لانفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الارض. 5 فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. 6 وقال الرب هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل.والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون ان يعملوه. 7 هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. 8 فبددهم الرب من هناك على وجه كل الارض.فكفّوا عن بنيان المدينة. 9 لذلك دعي اسمها بابل.لان الرب هناك بلبل لسان كل الارض.ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الارض 10

رغم أن هذه القصة كانت ملهمة لكُتاب الأساطير , وحيكت حولها حكايات أطلقت العنان للخيال البشري , حتى رددها الناس كمسلمات , إلا أنها تضعنا أمام تساؤلات كبيرة , من ضمنها : هل كانت هذه القصة بمثابة إنهاء للجدل بين الناس حول نشأة اللغات , وقصة البرج الذي انتهت إليهم أخباره باهتة مشوهة , وغير واضحة ؟! تعالوا نُناقش هذه الفقرة من خلال أسئلة مشروعة . كما نرى ( حسب القصة ) أن أحفاد نوح خرجوا من منطقة ( أرارات ) المكان الذي رست فيه السفية بأجدادهم نوح وأولاده الثلاثة , وتوجهوا شرقا . فمن كان يقودهم ؟ وما سبب رحيلهم ؟ ولماذا لم يُفكروا ببناء مدينة وبرج حتى لا يتبددوا في المنطقة التي كانت مسقط رؤوسهم , ومُستقر سفينة آبائهم ؟ لنفترض أن الأرض التي احتضنتهم أصابها الجدب , وأمحلت ( كافتراض منطقي للرحيل , مستبعدين افتراض انعدام الأمن بسبب الاقتتال لأنهم كانوا جميعا مرتحلين كما نص العهد القديم ) ثم ساروا جميعا في قافلة واحدة , حتى وصلوا إلى أرض صالحة للسكن , فمن الذي علمهم بناء المُدن والأبراج إذا كانوا في طور البدائية ؟ إذ أن جدهم نوحا كان نجارا , وعمل بالزراعة بعد الطوفان , ولم يكن له ولا لأولاده حاجة في بناء المدن أصلا , سوى مساكن تؤويهم , ولو افترضنا أنه كان لهم مدينة في أرارات فلا حاجة لتركها . أما قضية نزول الرب إلى الأرض ليرى ما يصنع البشر , فهي محاكاة لأساطير أهل بابل أنفسهم , التي تحدثت عن صراع آلهة الأرض وآلهة السماء , وليس خافيا على أحد ادعاء الملوك في أزمان مختلفة للألوهية , كفراعنة مصر , وقياصرة روما القدماء . فهل الرب له حيز يحتويه لينزل منه ويصعد إليه وقت الحاجة ؟ كما أنه من الواضح يحتاج إلى من يُعينه على البشر لمنعهم من القيام بمشاريعهم . (( حاشاه أن يكون عاجزا أو أن يحتويه مكان أو حيز أو حدود , بل هو المحتوي لكل شيء , المهيمن على ما خلق بين سماواته وأراضيه )) . نأتي لقضية البلبلة , وكأنها ترسيخ للغة العبرية في تسمية مدينة بابل , أو على الأقل تُكرس في الأذهان أن اللغة الوحيدة التي كانت هي اللغة العبرية , أو العربية , لأن كلمة بلبلة تُقابلها في العبرية ( بِلبول ) ولكنني أتساءل : كيف سيكون رأي من كتبوا العهد القديم لو عرفوا أن العلماء اكتشفوا من خلال الحفريات الأثرية على أصل كلمة ( بابل ) من اللغة الأكادية ( بابيلي ) أي ( باب الله أو الآلهة ) ؟ وأن أهل ما بين الرافدين اشتهروا ببناء الأبراج , وقد أطلق عليها الآثاريون اسم ( الزقورات ) ؟ كما أن اختلاف الألسن لا يمنع الناس من البناء , وتفريق الناس في الأرض لا يحتاج إلى بلبلة الألسن , فهو صفة متأصلة في النفس البشرية لبحثهم عن الإستقلالية والتملك والتشبث بالقبلية . فمن الطبيعي أن يكون هُناك نزاع على شيء , وبالتالي الاقتتال , ومن ثم التنافر والإبتعاد . وما إن يستقل كل فريق بأرضه حتى يبدأ التطور بعد الاستقرار , ليطال هذا التطور كل نواحي الحياة من صناعة وزراعة وتجارة وثقافة وفنون ولغة . ما من لغة إلا وتطورت وتهذبت . هذا لو علمنا أن اللغة عبارة عن أصوات , ما فتئت الأذن تهذبها حتى تنسجم معها بموسيقى تستصيغها . وليس أدل على ذلك الحاضر الذي نعيشه , كل شعب أصبح يتحدث بلغة غير اللغة التي كان يتحدث بها الأجداد قبل مئات السنين , وهذا التطور يحتاج إلى وقت . ولو أخذنا لغتنا العربية كمثال , لوجدنا أن العربية الحميرية القديمة لم تعد مُتداولة , كما أننا لو اطلعنا على أشعار العرب قبل ألف وخمسمائة عام , لما فهمنا منها شيئا , حتى ذهب بعض علماء اللغة بالقول : لولا القرآن , وما احتُفظ من تراثنا القديم من شعر العرب , لاندثرت اللغة العربية وبادت . ما أريد قوله , أن العهد القديم اختصر علوم اللغة بأمر ساذج ليس له أي دخل في تفريق البشر بعضهم عن بعض , وسكناهم في طول الأرض وعرضها عبر آلاف السنين .

لنرى الآن قضية الغربلة , هل هي موجودة في القرآن الكريم ؟

يقول سبحانه في سورة الحجرات , الآية 13

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

الخطاب للناس جميعا , ليس هناك تفرقة من الناحية العرقية , ولكن الأقرب إلى الله والأكرم , هو الأكثر تقوى له سبحانه كما نرى .

ثم يقول في سورة الروم , الآية 23

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ

إذا , حسب القرآن , اختلاف الألسنة والألوان مقترنٌ بالسماوات والأرض , أي بطبيعة الأرض وتضاريسها والمناخ المُحيط بها , ثم أتبع القول , بأن في ذلك لآيات للعالمين , أي دلالات , أو علامات واضحة كل الوضوح للناس جميعا . فالانسان الذي يعيش في أرض جبلية لآلاف السنين مثلا , يُصبح ظهره محدودبا , وجسده مُناسب لطبيعة الجبال , والذي يعيش في مناطق حارة آلاف السنين , تُصبح بشرته تميل إلى السواد بحسب شدة الحرارة , بحيث يكون قادرا على تحملها . وكذلك اللغة , فهي تُحاكي الطبيعة المُحيطة بها , بتضاريسها ومناخها وحيواناتها وطيورها , التي تستوحي منها الموسيقى الصوتية , وتهذبها وتطورها مع الزمن , وتقولبها حسب ما تعودت عليه الأذن من سماعه لما يتحرك حولها . ولو أن عندي القدرة لأثبت ذلك من خلال دراسة علمية شاملة , لفعلت .

نُتابع في حلقة قادمة إن شاء الله

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

الوثنية والشرك فيما يُنسب إلى السماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الخامسة

الوثنية والشرك فيما يُنسب إلى السماء

قد تكون هذه أهم حلقة في هذا البحث المتواصل , فهي تُحدد ملامح العقيدة في الكُتب . ما قرأناه حتى الآن عن الرب الخالق للسماوات والأرض وما بينهما , يُبين لنا عقيدتين لا يمكن لهما أن تلتقيان أبدا . عقيدة ترى أن الرب يُخطيء ويُصيب , محدود الرؤيا , له صفات مشتركة مع البشر , وهذا ما نلمسه في الكتاب المقدس . وعقيدة ثانية ترى أن الله منزه عن النواقص , هو المهيمن على ما خلق , لا يُشبهه شيء , لا في السماوات , ولا في الأرض , واحد أحد ,فرد صمد , لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفؤا أحد . وقد لمسنا هذا من خلال القرآن . بطبيعة الحال , ما يُساعدنا على فهم الكتاب المقدس , هو لغته البسيطة والمباشرة , حيث لا مجال للتأويل أو الفلسفة المُغماة التي تحتمل عدة معاني أو تفسيرات , وعليه لا يستطيع أحد أن يُشكك في فهمنا . أما القرآن فكلنا يعلم أنه جاء في مرحلة الإزدهار البلاغي للغة العربية , بين أناس شاع عنهم اهتمامهم بالشعر والفصاحة وقوة البيان , لهذا أحاول قدر الإمكان الإستشهاد بآيات يسهل على الجميع فهمها , وإن حوت بعض المفردات الصعبة , نرجعها إلى معاجم اللغة للتعرف على معانيها .

يستهل الكتاب المقدس الإصحاح الرابع من سفر التكوين قوله :

وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الارض وولد لهم بنات 2 ان ابناء الله رأوا بنات الناس انهنّ حسنات.فاتّخذوا لانفسهم نساء من كل ما اختاروا. 3 فقال الرب لا يدين روحي في الانسان الى الابد.لزيغانه هو بشر وتكون ايامه مئة وعشرين سنة. 4 كان في الارض طغاة في تلك الايام.وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا.هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم 5 ورأى الرب ان شر الانسان قد كثر في الارض.وان كل تصور افكار قلبه انما هو شرير كل يوم. 6 فحزن الرب انه عمل الانسان في الارض.وتأسف في قلبه. 7 فقال الرب امحو عن وجه الارض الانسان الذي خلقته.الانسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء.لاني حزنت اني عملتهم. 8 واما نوح فوجد نعمة في عيني الرب

لا يمكن لي أن أقرأ هذا الكلام , دون أن أستذكر بعض الكتابات التي مرت عليّ مما ترك فلاسفة الإغريق وشعرائهم وروائييهم من قصص وتصورات عن آلهتهم , والتي كانت تزيد عن مائة وثمانين إلها على ما أذكر , وكذلك ملحمة جلجامش السومرية , والتي اعتُبرت الأقدم مما كتب الإنسان من روايات . إلا أن الفرق بين ما قرأناه هُنا , وبين ما جاء في كتابات الإغريق والسومريين , هو الدعوة لعبادة الآلهة , ونحن إلى الآن لم نقرأ فيما مضى من العهد القديم سوى المعصية , والطغيان , وغضب الرب على الناس , وتأسفه على خلقه , وهذا يعني الندم , ولا دعوة لعبادته . ثم سنرى أنه سيقضي على كل مخلوقاته , ثم يندم بعد ذلك مرة أخرى , ويتعهد أن لا يفعل ذلك في المستقبل . أما زواج أبناء الرب من بنات الإنسان , فسأترك هذا الأمر كما هو , ولن أعقب عليه , مع أنني متأكد من أن المقصود من أبناء الرب , هم الملائكة . وقد قلنا سابقا , ما دام هُناك أناس يعتقدون أن الانسان خُلق على شاكلة الرب وصورته , فمن السهل أن يؤمن بأن أولاد الرب يتزوجون بنات الإنسان . دعونا نكمل :

9 هذه مواليد نوح.كان نوح رجلا بارا كاملا في اجياله.وسار نوح مع الله. 10 وولد نوح ثلاثة بنين ساما وحاما ويافث. 11 وفسدت الارض امام الله وامتلأت الارض ظلما. 12 ورأى الله الارض فاذا هي قد فسدت.اذ كان كل بشر قد افسد طريقه على الارض 13 فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت امامي.لان الارض امتلأت ظلما منهم.فها انا مهلكهم مع الارض. 14

وقال الرب لنوح ادخل انت وجميع بيتك الى الفلك.لاني اياك رأيت بارا لديّ في هذا الجيل. 2

وقال الرب في قلبه لا اعود العن الارض ايضا من اجل الانسان لان تصوّر قلب الانسان شرير منذ حداثته.ولا اعود ايضا أميت كل حيّ كما فعلت. 22

وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض.

من خلال هذه المقتطفات من الإصحاحين الثامن والتاسع من سفر التكوين , نرى أن نوحا كان عبدا مُطيعا لله , أو هكذا رآه الله , وباقي البشر كانوا أشرارا وظلمة , فقرر الرب أن يقضي عليهم جميعا , وأن يستنقذ نوحا وأبناءه ونساءهم فقط , دون أن يُشير إلى أي تحذير للعُصاة , لعلهم يتوبون ويعودون إلى الله . وبعد أن أغرق كل شيء , عاد وندم بينه وبين نفسه , وأخذ العهد والميثاق بينه وبين نوح , وكذلك المخلوقات الأخرى , فلا يلعن الأرض ثانية , ولا يُبيد كل حيّ . ولكننا سنكتشف بعد ذلك أنه يُبيد سدوم وغيرها , وسيكون مع شعبه الذي يُبيد أريحا ويحرق حيواناتها وناسها .

وها انا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. 10 ومع كل ذوات الانفس الحيّة التي معكم.الطيور والبهائم وكل وحوش الارض التي معكم من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان الارض. 11 اقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد ايضا بمياه الطوفان.ولا يكون ايضا طوفان ليخرب الارض.

مع أن الطوفان لم يخرب الأرض , لكننا نجد هُنا تأكيدا على الميثاق , وقد لفت نظري هذا الكلام :

12 وقال الله هذه علامة الميثاق الذي انا واضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات الانفس الحيّة التي معكم الى اجيال الدهر. 13 وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الارض. 14 فيكون متى انشر سحابا على الارض وتظهر القوس في السحاب 15 اني اذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حيّة في كل جسد.فلا تكون ايضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد. 16 فمتى كانت القوس في السحاب ابصرها لاذكر ميثاقا ابديا بين الله وبين كل نفس حيّة في كل جسد على الارض.

المشكلة هُنا أن الرب ينسى , فيحتاج إلى ما يُذكره . وكذلك نجد أن الرب لم يكن يعرف الحقيقة العلمية وراء قوس المطر , والتي يُمكن للانسان أن يصنع مثله ويقلده . كما أنني لا أستطيع أن أغفل عن قصة عجيبة , فيها ظلم كبير , حصلت بعد الطوفان مباشرة . اقرأوا معي , لعلي أكون مخطئا :

وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث.وحام هو ابو كنعان. 19 هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح.ومن هؤلاء تشعبت كل الارض 20 وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. 21 وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه. 22 فابصر حام ابو كنعان عورة ابيه واخبر اخويه خارجا. 23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على اكتافهما ومشيا الى الوراء وسترا عورة ابيهما ووجهاهما الى الوراء.فلم يبصرا عورة ابيهما. 24 فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. 25 فقال ملعون كنعان.عبد العبيد يكون لاخوته. 26 وقال مبارك الرب اله سام.وليكن كنعان عبدا لهم. 27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام.وليكن كنعان عبدا لهم 28 وعاش نوح بعد الطوفان ثلث مئة وخمسين سنة. 29 فكانت كل ايام نوح تسع مئة وخمسين سنة ومات

لو سألتموني عن الجريمة التي ارتكبها حام بن نوح , والتي استوجبت غضب أبيه , وبالتالي لَعْنه , والحكم عليه بالعبودية هو ونسله لإخوته ونسلهم , لأجبتكم لا أعرف . إلا أنني قد أجد الجريمة الحقيقية هي شرب نوح للخمر وغيابه عن الوعي . فغيابه عن الوعي قد يجعله يتعرى ويخرج من مخبأه أيضا , وكذلك قد يجعله يقتل أحد أبنائه , ولربما يقوده إلى اغتصاب زوجة من زوجات أبنائه , كما فعل ( لوط ) مع بناته ( بحسب الكتاب المقدس ) طبعا . كما أن نوحا ( حسب ما قرأنا ) ليس إلا مجرد رجل رضي الله عنه , فهو ليس نبيا ولا رسولا , حتى وإن كان كذلك , من أين له الحق أن يلعن وقد حرم الله على نفسه أن يلعن الناس كما سبق ؟! وما ذنب نسل حام ( كنعان ) ليكونوا عبيدا عند نسل سام ويافث ؟! أم أن الذي كتب هذا الكلام كان في نفسه شيء من أبناء حام فأراد أن يلعنهم جميعا ؟ كما أن التاريخ يُثبت , بموازات الكتاب المقدس , أن كنعان سادوا مرات عديدة على أبناء سام , فالنبوؤة في هذه الحالة تكون باطلة .

عموما , لقد أطلنا في الحديث هذه المرة , فدعونا نقرأ ما يقوله القرآن في أمر نوح ( عليه السلام ) والطوفان :

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) آل عمران

سورة نوح

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا (28)

من خلال الآيات السابقة , نجد أن الله اصطفى نوحا ليكون رسولا له , يدعو قومه إلى الله , ويخاف عليهم من غضب الله , ويحذرهم من عذابه . وبعد أن أهلكهم الله , لم يأسف على ما صنع . إذ كيف يأسف وهو خالقهم ؟! وهو الذي يُحييهم ويُميتهم ؟! والذي يأسف هو الذي يُخطيء , والذي يندم هو الذي يرتكب خطيئة , فهل يُعقل أن يكون الخالق خطاء ؟! حسب القرآن , الله لم يُهلك قوم نوح اعتباطا , وكذلك لم يفعل ما فعله فيهم قبل أن يُحذرهم ويُنذرهم ويصبر عليهم طويلا , حتى أن نوحا عليه السلام مكث فيهم تسمائة وخمسين سنة , يدعوهم ويأتيهم بالأدلة والبراهين الدامغة على صدقه , لكنهم أصروا على الكفر والعناد .

ولا ننسى قول الله سبحانه في القرآن : وما كُنا معذبين حتى نبعث رسولا .

أفي الله شك ؟ تعالى الله عما يُشركون

إلى حلقة قادمة , هذا أخوكم

خالد الطيبي

الأحد، 11 أبريل 2010

هل الرب عادل في كتب السماء ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الرابعة

العدالة في كتب السماء

في علم الجريمة نقرأ , أن المجرم عادة ما يكون عنده دوافع كافية للجريمة , وكذلك العداوة للآخر . لا بد من توفر أسباب منطقية لنشوء الكراهية , ومن ثم تحولها إلى عداء . لنرى كيف تعاملت كتب السماء مع هذه المسألة :

استهل الاصحاح الثالث من سفر التكوين حديثه عن الغواية , فقال :

وكانت الحيّة أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الاله.فقالت للمرأة أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة. 2 فقالت المرأة للحيّة من ثمر شجر الجنة نأكل. 3 واما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلا تموتا. 4 فقالت الحيّة للمرأة لن تموتا. 5 بل الله عالم انه يوم تأكلان منه تنفتح اعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر. 6 فرأت المرأة ان الشجرة جيدة للأكل وانها بهجة للعيون وان الشجرة شهيّة للنظر.فأخذت من ثمرها واكلت واعطت رجلها ايضا معها فأكل. 7 فانفتحت اعينهما وعلما انهما عريانان.فخاطا اوراق تين وصنعا لانفسهما مآزر

بعيدا عن كون الحيّة أحيَلَ أو أمكر حيوانات البرية أم لا , فما سرّ عداوتها لآدم حتى تغوي حواء لتأكل من الشجرة التي حرم الله على الزوجين في الجنة ؟ وما الفائدة التي ستجنيها من هذا العمل ؟ خاصة لو علمنا أنها من جنس آخر غير الانسان , وهي تعيش وتتمتع في الجنة مثله , وكباقي الدواب التي خلقها الرب هُناك . ولو قرأنا العقاب الذي فرضه الله على الحية بعد ذلك , لوجدنا أن العداوة بين الحية والانسان جاء كلعنة قررها الرب عليهما , كما قال في ذات الاصحاح :

4 فقال الرب الاله للحيّة لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية.على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل ايام حياتك. 15 واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها.هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه

إذا , لم يكن هُناك عداوة أو كراهية سابقة , ولا يوجد دوافع منطقية لهذا التصرف , كما أننا لا نجد مصلحة تذكر من وراء ما قامت به الحية , ناهيك عن كون الحيّة ليست مخلوقا عاقلا لتكون أحيل من الإنسان ذاته , وليس فقط البهائم . فهل نجد إجابات عن هذه الأسئلة في القرآن ؟

يقول سبحانه في سورة الحجر :

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43

لقد اخترت هذه الآيات , رغم وجود الكثير ممن تحدثت في هذا الشأن , لأنها جامعة بين الملائكة والجن والانسان . الملائكة كما بين القرآن في الأحاديث النبوية خُلقت من نور , والجان الذي من ضمنهم إبليس ( الشيطان ) خُلقوا من نار , والانسان خُلق من طين . انصاعت الملائكة كما نرى لأوامر ربها , فسجدت لآدم , لكن إبليس أصابه الكبر إذ أنه مخلوق من نار , فرفض أن يسجد لمن هو مخلوق من طين , تكبرا وغيرة وحسدا . مما أورثه الكراهية لآدم . فلما لعنه الله لهذا السبب , زادت الكراهية كما نرى , لتتحول إلى عداوة . الآيات لا تحتاج إلى شرح , وقد قلنا منذ البداية بأننا سنبتعد عن كتب التفسير , وسنحكم على الأمور كما نراها ونقرأها . فما هو الأقرب للعقل , أن يغوي الشيطان الانسان ليخرجه من النعيم على خلفية عداوته له , أم أن تغوي الحية الانسان لمجرد أنها أحيل الدواب على وجه الأرض دون مبرر أو عداوة مسبقة ؟

لقد عنونّا الحلقة بالعدالة في كُتب السماء , فأين مضمون هذا العنوان فيما ذهبنا إليه ؟

إنه الجزاء على المعصية , والذي لا يكون إلا من نوع العمل , فهل راعت الكتب هذا المبدأ ؟ لنُكمل :

كما قرأنا الرواية التوراتية أعلاه , فالحيّة أغوت حواء , وشرحت سبب منع الرب لها ولزوجها أن لا يقربا شجرة الخير والشر , ووعدتها أنهما لن يموتا , فأكلت من الشجرة , وأحضرت إلى زوجها فأكل منها دون نقاش . ولما سأله الرب , أجاب بكل سذاجة بأن حواء هي من أعطته ليأكل , فكان غضب الله الأكبر على الحية , ثم حواء , ثم آدم , فحكم عليهم قائلا :

فقال الرب الاله للحيّة لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية.على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل ايام حياتك. 15 واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها.هو يسحق راسك وانت تسحقين عقبه. 16 وقال للمرأة تكثيرا اكثر اتعاب حبلك.بالوجع تلدين اولادا.والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك. 17 وقال لآدم لانك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي اوصيتك قائلا لا تأكل منها ملعونة الارض بسببك.بالتعب تأكل منها كل ايام حياتك. 18 وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. 19 بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود الى الارض التي أخذت منها.لانك تراب والى تراب تعود 20

لو أصدر أي قاض الحكم على شخص بسبب جريمة ارتكبها أبوه , لنعت الناسُ هذا القاضي بالظالم , إذ لا تزر وازرة وزر أخرى , فما ذنب بنات حواء لما ارتكبته حواء ؟ وما ذنب الحيات لما ارتكبت أمهن من إغواء ؟ وما ذنب نسل آدم لما فعله أبوهم ؟ كما أنني أقرأ هُنا تجريما للمرأة التي طالما طالب الغرب بتحريرها من عبودية الرجل وتسلطه , هل كفر أتباع الكتاب المقدس بما جاء فيه ؟ إن الرب يتحدث صراحة عن سيادة الرجل على المرأة , فما بالهم يُطالبون بالمُساواة بين الجنسين إذا ؟ لا بأس , نحن هنا لا نُحاكم أحدا , ولكننا نُحاول أن نتعرف على كلمة الله , فكيف يُصور لنا القرآن هذه الحادثة ؟

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)سورة الأعراف

الحقيقة أنني اخترت هذه الآيات بالذات , لأنها تبدأ بالميزان الدال على العدل . فليس هُناك عقاب إلا لمن استحقه من بني الانسان . الشيطان نال غضب الله بعد تكبره , أغوى الانسان بشقيه الأنثوي والذكري كما نرى , مساواة كاملة بالجزاء والعمل بين الجنسين , فتحدى الشيطان ربه , فجعل الله أول الامتحانات لآدم أن منعه وزوجه عن أكل شجرة ما في الجنة , وليس مهما ماهية الشجرة , المهم أن ينجحا في الامتحان فلا يستمعا إلى الشيطان , لكنهما فشلا , وبما أن الله يعلم أنهما ضعيفان , قبل توبتهما , وغفر لهما , وتركهما يعيشان في الأرض إلى أن يأتي الوقت المعلوم . من عمل صالحا ولم يتبع الشيطان من ذكر أو أنثى , نال الجنة , ومن كفر واتبع سُبل الشيطان , ليس له إلا النار . كل حسب عمله . أليس هذا هو العدل ؟

هُناك نقاط متفرعة كثيرة وعديدة , يمكننا التطرق لها باسهاب أكثر , حول هذه المسألة بالذات , لكن الفكرة أظنها وصلت دون الحاجة لذلك

فإلى حلقة أخرى

أستودعكم الله , أنا أخوكم

خالد الطيبي

السبت، 10 أبريل 2010

هل كلام الله يتناقض مع الثوابت العلمية ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثالثة

هل كلام الله يتناقض مع الثوابت العلمية ؟

النظرة النمطية للكون قبل الفتح العلمي , اختلفت كُليا بعده . بما أننا أدركنا بإيماننا أن الله خالق السماوات والأرض , فهو يعلم حتما ما صنع . وعلمه بما صنع يجعله دقيقا في بيانه وتفسيره من خلال نصوصه التي كتبها في كتبه الموجهة إلى عباده لشرح معالم الكون , تماما كما يشرح الشريعة الكفيلة بسعادة الناس في حال أنهم اتبعوها , وعملوا بمقتضاها .

يقول الكتاب المقدس في سفر التكوين

في البدء خلق الله السموات والارض. 2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. 4 وراى الله النور انه حسن.وفصل الله بين النور والظلمة.

نرى التفكير السطحي لكينونة النور هُنا جليا , بل وهاجز كينونة الرب على شاكلة الانسان راح يسيطر تماما على النص في عدم معرفة الرب بحسن النور من قُبحه , أو معرفته المسبقة أيضا بمعنى النور . لإن وجد أن النور حسنٌ بعد أن كان نورا وليس قبله , فما الذي دعاه إلى خلق النور ؟

ثم يستطرد قائلا

5 ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا.

وحتى نفهم ما عناه بالنور والظُلمة , نقرأ بعدها

16 فعمل الله النورين العظيمين.النور الاكبر لحكم النهار والنور الاصغر لحكم الليل.والنجوم. 17 وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض 18 ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة.ورأى الله ذلك انه حسن.

لو تمعنّا جيدا فيما قرأناه , فسنجد أن النور الذي عناه الكتاب آنفا , ليس هو ذاته النور الذي يعنيه هُنا , وهو الشمس والقمر . وبالتالي , سنجد أن القمر مُنير كما هي الشمس , ولكن أحدهما أكبر من الآخر . والحقيقة العلمية تقول , أن الشمس مُضيئة بذاتها , والقمر مُظلم , لكنه منير لغيره , أي عاكس لنور الشمس .

هل راعى القرآن هذه الأمور ؟ لنقرأ في المقابل ما يقوله القرآن

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)الأعراف

ثم قال في سورة الرعد

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وفي سورة يونس قال

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)

أما في سورة لقمان فنقرأ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29

ثم نقرأ في سورة يس

وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)

وفي الفرقان نقرأ

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61)

لو بحثنا أكثر , لوجدنا العديد من الصور حول ماهية الأرض , وعمل الشمس والقمر . ثم إذا بحثنا في كتب التفسير , سنجد كيف كان عليه العلم قبل الثورة العلمية , وتصور المؤمنين بالقرآن بما يخص هذه الآيات , وهي صحيحة من الناحية السطحية لما رآه العلم في ذلك الوقت , وتبقى النصوص تحافظ على نفسها , بعيدة عن مناقضة الحقائق العلمية . فلو قال المفسرون في ذلك الوقت أن الشمس تجري بين الشرق والغرب , فهذا تفسير منطقي . وعندما جاء العلم بأدوات مكنته من رؤية الجريان للنجوم والكواكب , فسيجدون أن القرآن لا يُناقض هذه الحقيقة بقوله أن الشمس والقمر كلُ في فلك يسبحون , ولا يمكن للشمس أن تُدك القمر . بل إننا سنلاحظ أن القرآن فصل بين ما هو مُضيء بذاته , أو منير بغيره , إذ وصف الشمس بالسراج المضيء , والقمر بالمنير فقط . ثم فصل في منازل القمر , لا ليعلم الناس عدد السنين فقط , بل ليعلموا من خلال منزلة القمر , اليوم الذي يعيشونه من الشهر , من حجم الهلال , حتى يُصبح القمر محاقا , ليعود هلالا كالعرجون القديم , مُعلنا بداية شهر جديد .

السؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل هُناك ما يُبين في القرآن كيف يتكون الليل والنهار ؟

هُناك حقائق عديدة نستطيع أن نراها جلية وواضحة مما سبق وقرأنا في الآيات السابقة , كقوله : يُغشي الليل النهار , أي أن الليل يُغطي النهار , فالأصل في المسألة أن تكون الأرض مُظلمة . وليس أدل على ذلك قوله تعالى : ,وآية لهم الليلُ نسلخُ منه النهار فاذا هم مُظلمون . فاذا انسلخ ضوء الشمس , أصبحت الأرض مُظلمة . وكذلك : يولج الليل في النهار والعكس , يُعطينا صورة واضحة في تداخل الظلمة والنور على الأرض , كونها تدور دون كلل حول نفسها لتُقلب الليل والنهار على ظهرها , كمن يُقلب اللحم فوق النار ليشويه من كل جوانبه . وهذا ما نجده في الآية : ونقلب الليل والنهار . كما أننا نجد في آيات واضحة وصريحة دوران الأرض حول نفسها , وكذلك شكلها البيضاوي , إذ قال سبحانه في سورة النمل :

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88

وقوله في سورة النازعات

والأرض بعد ذلك دحاها ( 30 ) أخرج منها ماءها ومرعاها ( 31 )

ذهب المفسرون للقول عن الأولى بأن الجبال تسير , ولكنهم لم يعرفوا كيف تسير , ومنهم من أرجع السير إلى يوم القيامة . وفي الآية الثانية قالوا بأن دحاها , تعني بسطها . لا بأس فيما قالوا في حدود علمهم . لكننا اليوم أصبحنا نعلم تماما أن الجبال تمر , ولا تسير . فالقرآن ذكر بأن الجبال راسية , أي ثابتة لا تسير . إذا , فالمرور للجبال وهي راكبة ليس كسيرها . فأنا قد أمر عن منطقة وأنا أركب سيارتي , لكنني لا أسير على قدميّ . ولو حاولنا قدر الإمكان أن نتصور كيف تمر الجبال مر السحاب رغم رؤيتنا لها بأنها جامدة , فلن نصل إلا إلى نتيجة واحدة , وهي أن الأرض كلها تسير بنا وبها , وفي النهاية نصل إلى الحقيقة العلمية بدوران الأرض . وهذا ما يجعلنا نقرأ دحاها , بأن جعلها الله كالدّحية , أي كالبيضة . ولها معان أخرى مثل : ساقها , ورماها , وبسطها , ومسح على ظهرها .

ما أريد الوصول إليه , أن استخدام المفردات عند الرب في كتبه , لا بد وأنه استخدام دقيق . فالقرآن ذكر بأن الله بسط الأرض , ومدها .. ولكنه هُنا استخدم مفردة دحاها , وكل هذه المفردات صفات متأصلة في الأرض وماهيتها


إلى حلقة قادمة , أستودعكم الله

تحياتي أنا , أخوكم

خالد الطيبي

تعالو إلى كلمة سواء: هل الإنسان خُلق على شاكلة الرب ؟

تعالو إلى كلمة سواء: هل الإنسان خُلق على شاكلة الرب ؟

هل الإنسان خُلق على شاكلة الرب ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثانية

شكل الإنسان , هل هو مطابق لشكل الله ؟

وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا.فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض. 27 فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه.ذكرا وانثى خلقهم. 28 وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبّ على الارض. 29

بدأ العهد القديم , في سفر التكوين / الإصحاح الأول , بالحديث عن خلق السماوات والأرض , ورتب الخلق حسب الأيام الست من الأسبوع , ليكون يوم السبت , يوم راحة عند الرب وعباده . ما يلفت الانتباه في السرد أنه مترجم من لغة أخرى , فلا نستطيع التعليق على قوة اللغة وبلاغتها ومقارنتها بلغة القرآن , ولن نكون منصفين لو فعلنا ذلك . فالتوراة أصلا لم تنزل على نبي الله موسى ( عليه السلام ) باللغة العربية . ولكن اللافت الأكبر منذ البداية , هو تصوير الانسان على أنه شبيه لله في شكله , أي أن الانسان خُلق على صورة خالقه , مما يخلق انطباعا عند من يؤمن بهذا الكلام أن الله يتصف أيضا بالعجز الانساني , يعمل ويتعب ويبكي ويتألم ويتزوج ويلد ... الخ . والكتاب المقدس لا يُنكر هذا أبدا , وسنجد في القادم من الحلقات أن الله يمشي مثلنا , ونراه ويرانا , ويبعث ابنه الوحيد ليخلص الناس من خطاياهم , ويتصارع مع أحد أنبيائه ولا يقدر عليه , رغم أنه خلق السماوات بمجراتها وشموسها ونجومها وأقمارها , وجناتها ونارها . وخلق الأرض بحيواناتها وطيورها وأشجارها وإنسانها , وبحارها وأنهارها وبراريها ... الخ كما أن مجرد الإيمان بأن الإنسان يشبه الله في شكله , يُصبح عُرضة للخداع والتزوير , وسيقبل به بصدر رحب . فلو جاءه إنسان بعمل بهلواني خارق للعادة مُدعيا الأولوهية , فسيصدقه , وسيصبح عبدا له بملء إرادته . ولو أقدم رجل دين على القول بأنه رأى الله , ثم رسمه له , فسيعبد الرسم أو النحت دون تردد . فكم من صورة للرب تُعرض في دور العبادة , وكم من شكل له , ولون . الناس تؤمن به وتعبده , وتركع أمامه وتناجيه . من أراد أن يُنكر ذلك , فله أن يفعل , وليُنافي العقل كما يشاء .


ماذا يقول القرآن الكريم عن صورة الله ؟

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

سورة النور / 35

ما هي الصورة التي تنطبع برؤوسنا عن شكل الله ؟ كل ما نستطيع أن نراه هو : النور , ولا شيء غيره .

ماذا يقول القرآن عن صفات الله ؟

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)

سورة الحشر

إذا , حسب القرآن , فالله قادر قوي لا يتعب , وليس أمره إذا أراد شيئا إلا أن يقول له : كُن , فيكون . وقد يلفت نظرنا هذا القول , عندما نقرأ في العهد القديم هذا الكلام , في سفر التكوين / الإصحاح الأول . فاقرأوه جيدا , وتمعنوا فيه :

في البدء خلق الله السموات والارض. 2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. 4 وراى الله النور انه حسن.وفصل الله بين النور والظلمة. 5 ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا.وكان مساء وكان صباح يوما واحدا 6 وقال الله ليكن جلد في وسط المياه.وليكن فاصلا بين مياه ومياه. 7 فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد.وكان كذلك. 8

إذا كان الله يقول للنور : كُن نورا , فيكون نورا , وكذلك باقي ما خلق , فهل يحتاج إلى راحة ؟ كما جاء بعد ذلك في الإصحاح الثاني من نفس السفر :

فأكملت السموات والارض وكل جندها. 2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل.فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. 3 وبارك الله اليوم السابع وقدسه.لانه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا 4 هذه مبادئ السموات والارض حين خلقت.يوم عمل الرب الاله الارض والسموات 5

صورة الإنسان المُشابهة لصورة الخالق كما في العهد القديم , جعلت الكتاب المقدس كله يتحدث من هذا المُنطلق . في حين أننا نجد القُرآن ينفي هذه الصورة جُملة وتفصيلا , ويقول بأن الله ليس كمثله شيء , وهو مُدرِكٌ للأبصار , ولا تُدركه الأبصار , وبالتالي لا يُدركه الخيال الإنساني أبدا . كما أن القرآن لم يذكر أن أحدا من خلقه قد رآه , ولا حتى رسوله الأكرم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) أو كليمه ( موسى عليه السلام ) .

نُتابع

الخميس، 8 أبريل 2010

هل الإله واحد عند الديانات الثلاث ؟

الحلقة الأولى

هل الإله واحد عند أتباع الديانات الثلاث ؟

نسمع هذه الأيام عن لقاءات متعددة بين رجال دين , ومفكرين , ومصلحين , وكتاب من الديانات المنسوبة إلى السماء , بهدف التقريب بين وجهات النظرلأتباعها , على أرضية المواد المشتركة في نصوص كتبها . فهل عملهم هذا سيُفضي إلى ما يأملون الحصول عليه ؟ وهل سيتمكنون من إيجاد متكأ يرتكزون عليه من خلال تلك العقائد المختلفة ؟ وهل فعلا هُناك شيء مشترك بين تلك الأديان ؟
يتردد على مسامعنا أنهم يعبدون إلها واحدا , وهذا يُعد منطلقا للحوار بين الأديان . فهل هذا صحيح ؟ أقصد أن الديانات الثلاث تعبد ذات الإله ؟ دعونا نسأل الكتب إذا :

نقرأ في العهد القديم / التوراة

26 وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا.فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض. 27 فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه.ذكرا وانثى خلقهم. 28 وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبّ على الارض. 29 ( التكوين / 1 )

وقال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر.والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ايضا ويأكل ويحيا الى الابد ( التكوين / 3 )

الرب الإله عند اليهود كما نرى اسمه ( هوذا ) وكذلك ( يهوا ) , وهو شبيه بالإنسان , ويشترك معه في صفات عديدة ( كما سيأتي فيما بعد ) مثل معرفة الخير والشر , والحاجة إلى الراحة بعد العمل , والله عندهم يتألم , ويُخطيء , ويندم , ويخاف , ويُنافس البشر ... الخ

ماذا عن الإله في العهد الجديد / الإنجيل

20 ولكن فيما هو متفكر في هذه الامور اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا: «يا يوسف ابن داود لا تخف ان تأخذ مريم امرأتك.لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. 21 فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لانه يخلّص شعبه من خطاياهم». 22 وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. 23 «هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل» (الذي تفسيره الله معنا). متى / 1

16 فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء.واذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه. 17 وصوت من السموات قائلا: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت».متى / 3

لكننا سنجد قولا على لسان يسوع نفسه يُقر بأن الله واحد :

ثم اخذه ايضا ابليس الى جبل عال جدا واراه جميع ممالك العالم ومجدها. 9 وقال له اعطيك هذه جميعها ان خررت وسجدت لي. 10 حينئذ قال له يسوع اذهب يا شيطان.لانه مكتوب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد. 11 ثم تركه ابليس واذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه متى / 4

ماذا يقول القرآن الكريم عن صورة الله ؟

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
سورة النور / 35

سنبتعد عما يقوله المفسرون , وسنقرأ وحدنا , فما هي الصورة التي تنطبع برؤوسنا عن شكل الله ؟ كل ما نستطيع أن نفهمه أن الله نور السماوات والأرض , ولا شيء غيره .

ماذا يقول القرآن عن صفات الله ؟

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
سورة الحشر

من كل ما قرأناه نخرج بنتيجة مهمة , أن الإله ليس هو ذاته الذي يعبده الناس التابعون للديانات الثلاث :

فالإله عند اليهود عاجز مثل الإنسان
وهو عند النصارى ثالوث بين الأب والإبن والروح القدس
أما المسلمون فيعبدون الرب الواحد الأحد , الفرد الصمد , الذي لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفؤا أحد

إلى هنا تنتهي الحلقة الأولى من السلسلة , لنأتي بعدها على عرض الكتاب المقدس , بعهديه القديم والجديد , من بدايته إلى نهايته , حدث بحدث , خطوة بخطوة . مع ذكر ما يُقابل ذلك من القرآن الكريم .

لكم فائق احترامي

خالد الطيبي