بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السادسة
غربلة البشر في العهد القديم
كما قرأنا في العهد القديم , حتى نهاية الإصحاح التاسع , لم نجد أي دعوة من أي نبي إلى الله . وإنما قرأنا فساد البشر , وانتقام الرب منهم بالطوفان . لكننا دخلنا في منعطف خطير للغاية , وهو غربلة الناس , ابتداء من إخراج حام ( أبو كنعان ) من دائرة الحرية , إلى دائرة العبودية , نقرأ ذلك بوضوح في قوله :
فقال ملعون كنعان.عبد العبيد يكون لاخوته. 26 وقال مبارك الرب اله سام.وليكن كنعان عبدا لهم. 27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام.وليكن كنعان عبدا لهم 28
فهل الغربلة ستستمر حتى يصطفي الرب شعبا مُعينا من بين شعوب الأرض ليكون الابن المُدلل عنده ؟!
نلاحظ أن نوحا ( عليه السلام ) حسب العهد القديم لعن كنعان كلهم المنسوبين إلى حام , مع أن حام هو من دخل على أبيه وهو مخمور وعريان , ورغم أن هذه لم تكن جريمة تستحق اللعن والتفريق بين الإخوة , لا دينا ولا منطقا , إلا أن لها دلالاتها المستقبلية سنعرفها فيما بعد . ولكن ماذا عن هذه النبوءة ؟ هل تحققت ؟ أو هل تحقق اللعن والعبودية ؟ سرعان ما سنجد العهد القديم يذكر أسماء الشعوب والقبائل التي انحدرت من أبناء نوح ( عليه السلام ) وكان لكل منهم أراضٍ وتخوم , وكنعان لم يصبح عبدا لإخوته , كما أن يافث لم يسكن بمساكن سام . بل أصبح لكلٍ لغته وحياته المستقلة عن الآخر . إقرأوا إن شئتم الإصحاح العاشر من سفر التكوين , فلن أنقله هُنا حتى لا أثقل على القاريء .
يبدأ الإصحاح الحادي عشر بالسرد قائلا :
وكانت الارض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة. 2 وحدث في ارتحالهم شرقا انهم وجدوا بقعة في ارض شنعار وسكنوا هناك. 3 وقال بعضهم لبعض هلم نصنع لبنا ونشويه شيا.فكان لهم اللبن مكان الحجر وكان لهم الحمر مكان الطين. 4 وقالوا هلم نبن لانفسنا مدينة وبرجا راسه بالسماء.ونصنع لانفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الارض. 5 فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. 6 وقال الرب هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل.والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون ان يعملوه. 7 هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. 8 فبددهم الرب من هناك على وجه كل الارض.فكفّوا عن بنيان المدينة. 9 لذلك دعي اسمها بابل.لان الرب هناك بلبل لسان كل الارض.ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الارض 10
رغم أن هذه القصة كانت ملهمة لكُتاب الأساطير , وحيكت حولها حكايات أطلقت العنان للخيال البشري , حتى رددها الناس كمسلمات , إلا أنها تضعنا أمام تساؤلات كبيرة , من ضمنها : هل كانت هذه القصة بمثابة إنهاء للجدل بين الناس حول نشأة اللغات , وقصة البرج الذي انتهت إليهم أخباره باهتة مشوهة , وغير واضحة ؟! تعالوا نُناقش هذه الفقرة من خلال أسئلة مشروعة . كما نرى ( حسب القصة ) أن أحفاد نوح خرجوا من منطقة ( أرارات ) المكان الذي رست فيه السفية بأجدادهم نوح وأولاده الثلاثة , وتوجهوا شرقا . فمن كان يقودهم ؟ وما سبب رحيلهم ؟ ولماذا لم يُفكروا ببناء مدينة وبرج حتى لا يتبددوا في المنطقة التي كانت مسقط رؤوسهم , ومُستقر سفينة آبائهم ؟ لنفترض أن الأرض التي احتضنتهم أصابها الجدب , وأمحلت ( كافتراض منطقي للرحيل , مستبعدين افتراض انعدام الأمن بسبب الاقتتال لأنهم كانوا جميعا مرتحلين كما نص العهد القديم ) ثم ساروا جميعا في قافلة واحدة , حتى وصلوا إلى أرض صالحة للسكن , فمن الذي علمهم بناء المُدن والأبراج إذا كانوا في طور البدائية ؟ إذ أن جدهم نوحا كان نجارا , وعمل بالزراعة بعد الطوفان , ولم يكن له ولا لأولاده حاجة في بناء المدن أصلا , سوى مساكن تؤويهم , ولو افترضنا أنه كان لهم مدينة في أرارات فلا حاجة لتركها . أما قضية نزول الرب إلى الأرض ليرى ما يصنع البشر , فهي محاكاة لأساطير أهل بابل أنفسهم , التي تحدثت عن صراع آلهة الأرض وآلهة السماء , وليس خافيا على أحد ادعاء الملوك في أزمان مختلفة للألوهية , كفراعنة مصر , وقياصرة روما القدماء . فهل الرب له حيز يحتويه لينزل منه ويصعد إليه وقت الحاجة ؟ كما أنه من الواضح يحتاج إلى من يُعينه على البشر لمنعهم من القيام بمشاريعهم . (( حاشاه أن يكون عاجزا أو أن يحتويه مكان أو حيز أو حدود , بل هو المحتوي لكل شيء , المهيمن على ما خلق بين سماواته وأراضيه )) . نأتي لقضية البلبلة , وكأنها ترسيخ للغة العبرية في تسمية مدينة بابل , أو على الأقل تُكرس في الأذهان أن اللغة الوحيدة التي كانت هي اللغة العبرية , أو العربية , لأن كلمة بلبلة تُقابلها في العبرية ( بِلبول ) ولكنني أتساءل : كيف سيكون رأي من كتبوا العهد القديم لو عرفوا أن العلماء اكتشفوا من خلال الحفريات الأثرية على أصل كلمة ( بابل ) من اللغة الأكادية ( بابيلي ) أي ( باب الله أو الآلهة ) ؟ وأن أهل ما بين الرافدين اشتهروا ببناء الأبراج , وقد أطلق عليها الآثاريون اسم ( الزقورات ) ؟ كما أن اختلاف الألسن لا يمنع الناس من البناء , وتفريق الناس في الأرض لا يحتاج إلى بلبلة الألسن , فهو صفة متأصلة في النفس البشرية لبحثهم عن الإستقلالية والتملك والتشبث بالقبلية . فمن الطبيعي أن يكون هُناك نزاع على شيء , وبالتالي الاقتتال , ومن ثم التنافر والإبتعاد . وما إن يستقل كل فريق بأرضه حتى يبدأ التطور بعد الاستقرار , ليطال هذا التطور كل نواحي الحياة من صناعة وزراعة وتجارة وثقافة وفنون ولغة . ما من لغة إلا وتطورت وتهذبت . هذا لو علمنا أن اللغة عبارة عن أصوات , ما فتئت الأذن تهذبها حتى تنسجم معها بموسيقى تستصيغها . وليس أدل على ذلك الحاضر الذي نعيشه , كل شعب أصبح يتحدث بلغة غير اللغة التي كان يتحدث بها الأجداد قبل مئات السنين , وهذا التطور يحتاج إلى وقت . ولو أخذنا لغتنا العربية كمثال , لوجدنا أن العربية الحميرية القديمة لم تعد مُتداولة , كما أننا لو اطلعنا على أشعار العرب قبل ألف وخمسمائة عام , لما فهمنا منها شيئا , حتى ذهب بعض علماء اللغة بالقول : لولا القرآن , وما احتُفظ من تراثنا القديم من شعر العرب , لاندثرت اللغة العربية وبادت . ما أريد قوله , أن العهد القديم اختصر علوم اللغة بأمر ساذج ليس له أي دخل في تفريق البشر بعضهم عن بعض , وسكناهم في طول الأرض وعرضها عبر آلاف السنين .
لنرى الآن قضية الغربلة , هل هي موجودة في القرآن الكريم ؟
يقول سبحانه في سورة الحجرات , الآية 13
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
الخطاب للناس جميعا , ليس هناك تفرقة من الناحية العرقية , ولكن الأقرب إلى الله والأكرم , هو الأكثر تقوى له سبحانه كما نرى .
ثم يقول في سورة الروم , الآية 23
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ
إذا , حسب القرآن , اختلاف الألسنة والألوان مقترنٌ بالسماوات والأرض , أي بطبيعة الأرض وتضاريسها والمناخ المُحيط بها , ثم أتبع القول , بأن في ذلك لآيات للعالمين , أي دلالات , أو علامات واضحة كل الوضوح للناس جميعا . فالانسان الذي يعيش في أرض جبلية لآلاف السنين مثلا , يُصبح ظهره محدودبا , وجسده مُناسب لطبيعة الجبال , والذي يعيش في مناطق حارة آلاف السنين , تُصبح بشرته تميل إلى السواد بحسب شدة الحرارة , بحيث يكون قادرا على تحملها . وكذلك اللغة , فهي تُحاكي الطبيعة المُحيطة بها , بتضاريسها ومناخها وحيواناتها وطيورها , التي تستوحي منها الموسيقى الصوتية , وتهذبها وتطورها مع الزمن , وتقولبها حسب ما تعودت عليه الأذن من سماعه لما يتحرك حولها . ولو أن عندي القدرة لأثبت ذلك من خلال دراسة علمية شاملة , لفعلت .
نُتابع في حلقة قادمة إن شاء الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق