بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة
الوثنية والشرك فيما يُنسب إلى السماء
قد تكون هذه أهم حلقة في هذا البحث المتواصل , فهي تُحدد ملامح العقيدة في الكُتب . ما قرأناه حتى الآن عن الرب الخالق للسماوات والأرض وما بينهما , يُبين لنا عقيدتين لا يمكن لهما أن تلتقيان أبدا . عقيدة ترى أن الرب يُخطيء ويُصيب , محدود الرؤيا , له صفات مشتركة مع البشر , وهذا ما نلمسه في الكتاب المقدس . وعقيدة ثانية ترى أن الله منزه عن النواقص , هو المهيمن على ما خلق , لا يُشبهه شيء , لا في السماوات , ولا في الأرض , واحد أحد ,فرد صمد , لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفؤا أحد . وقد لمسنا هذا من خلال القرآن . بطبيعة الحال , ما يُساعدنا على فهم الكتاب المقدس , هو لغته البسيطة والمباشرة , حيث لا مجال للتأويل أو الفلسفة المُغماة التي تحتمل عدة معاني أو تفسيرات , وعليه لا يستطيع أحد أن يُشكك في فهمنا . أما القرآن فكلنا يعلم أنه جاء في مرحلة الإزدهار البلاغي للغة العربية , بين أناس شاع عنهم اهتمامهم بالشعر والفصاحة وقوة البيان , لهذا أحاول قدر الإمكان الإستشهاد بآيات يسهل على الجميع فهمها , وإن حوت بعض المفردات الصعبة , نرجعها إلى معاجم اللغة للتعرف على معانيها .
يستهل الكتاب المقدس الإصحاح الرابع من سفر التكوين قوله :
وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الارض وولد لهم بنات 2 ان ابناء الله رأوا بنات الناس انهنّ حسنات.فاتّخذوا لانفسهم نساء من كل ما اختاروا. 3 فقال الرب لا يدين روحي في الانسان الى الابد.لزيغانه هو بشر وتكون ايامه مئة وعشرين سنة. 4 كان في الارض طغاة في تلك الايام.وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا.هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم 5 ورأى الرب ان شر الانسان قد كثر في الارض.وان كل تصور افكار قلبه انما هو شرير كل يوم. 6 فحزن الرب انه عمل الانسان في الارض.وتأسف في قلبه. 7 فقال الرب امحو عن وجه الارض الانسان الذي خلقته.الانسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء.لاني حزنت اني عملتهم. 8 واما نوح فوجد نعمة في عيني الرب
لا يمكن لي أن أقرأ هذا الكلام , دون أن أستذكر بعض الكتابات التي مرت عليّ مما ترك فلاسفة الإغريق وشعرائهم وروائييهم من قصص وتصورات عن آلهتهم , والتي كانت تزيد عن مائة وثمانين إلها على ما أذكر , وكذلك ملحمة جلجامش السومرية , والتي اعتُبرت الأقدم مما كتب الإنسان من روايات . إلا أن الفرق بين ما قرأناه هُنا , وبين ما جاء في كتابات الإغريق والسومريين , هو الدعوة لعبادة الآلهة , ونحن إلى الآن لم نقرأ فيما مضى من العهد القديم سوى المعصية , والطغيان , وغضب الرب على الناس , وتأسفه على خلقه , وهذا يعني الندم , ولا دعوة لعبادته . ثم سنرى أنه سيقضي على كل مخلوقاته , ثم يندم بعد ذلك مرة أخرى , ويتعهد أن لا يفعل ذلك في المستقبل . أما زواج أبناء الرب من بنات الإنسان , فسأترك هذا الأمر كما هو , ولن أعقب عليه , مع أنني متأكد من أن المقصود من أبناء الرب , هم الملائكة . وقد قلنا سابقا , ما دام هُناك أناس يعتقدون أن الانسان خُلق على شاكلة الرب وصورته , فمن السهل أن يؤمن بأن أولاد الرب يتزوجون بنات الإنسان . دعونا نكمل :
9 هذه مواليد نوح.كان نوح رجلا بارا كاملا في اجياله.وسار نوح مع الله. 10 وولد نوح ثلاثة بنين ساما وحاما ويافث. 11 وفسدت الارض امام الله وامتلأت الارض ظلما. 12 ورأى الله الارض فاذا هي قد فسدت.اذ كان كل بشر قد افسد طريقه على الارض 13 فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت امامي.لان الارض امتلأت ظلما منهم.فها انا مهلكهم مع الارض. 14
وقال الرب لنوح ادخل انت وجميع بيتك الى الفلك.لاني اياك رأيت بارا لديّ في هذا الجيل. 2
وقال الرب في قلبه لا اعود العن الارض ايضا من اجل الانسان لان تصوّر قلب الانسان شرير منذ حداثته.ولا اعود ايضا أميت كل حيّ كما فعلت. 22
وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض.
من خلال هذه المقتطفات من الإصحاحين الثامن والتاسع من سفر التكوين , نرى أن نوحا كان عبدا مُطيعا لله , أو هكذا رآه الله , وباقي البشر كانوا أشرارا وظلمة , فقرر الرب أن يقضي عليهم جميعا , وأن يستنقذ نوحا وأبناءه ونساءهم فقط , دون أن يُشير إلى أي تحذير للعُصاة , لعلهم يتوبون ويعودون إلى الله . وبعد أن أغرق كل شيء , عاد وندم بينه وبين نفسه , وأخذ العهد والميثاق بينه وبين نوح , وكذلك المخلوقات الأخرى , فلا يلعن الأرض ثانية , ولا يُبيد كل حيّ . ولكننا سنكتشف بعد ذلك أنه يُبيد سدوم وغيرها , وسيكون مع شعبه الذي يُبيد أريحا ويحرق حيواناتها وناسها .
وها انا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. 10 ومع كل ذوات الانفس الحيّة التي معكم.الطيور والبهائم وكل وحوش الارض التي معكم من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان الارض. 11 اقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد ايضا بمياه الطوفان.ولا يكون ايضا طوفان ليخرب الارض.
مع أن الطوفان لم يخرب الأرض , لكننا نجد هُنا تأكيدا على الميثاق , وقد لفت نظري هذا الكلام :
12 وقال الله هذه علامة الميثاق الذي انا واضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات الانفس الحيّة التي معكم الى اجيال الدهر. 13 وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الارض. 14 فيكون متى انشر سحابا على الارض وتظهر القوس في السحاب 15 اني اذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حيّة في كل جسد.فلا تكون ايضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد. 16 فمتى كانت القوس في السحاب ابصرها لاذكر ميثاقا ابديا بين الله وبين كل نفس حيّة في كل جسد على الارض.
المشكلة هُنا أن الرب ينسى , فيحتاج إلى ما يُذكره . وكذلك نجد أن الرب لم يكن يعرف الحقيقة العلمية وراء قوس المطر , والتي يُمكن للانسان أن يصنع مثله ويقلده . كما أنني لا أستطيع أن أغفل عن قصة عجيبة , فيها ظلم كبير , حصلت بعد الطوفان مباشرة . اقرأوا معي , لعلي أكون مخطئا :
وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث.وحام هو ابو كنعان. 19 هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح.ومن هؤلاء تشعبت كل الارض 20 وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. 21 وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه. 22 فابصر حام ابو كنعان عورة ابيه واخبر اخويه خارجا. 23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على اكتافهما ومشيا الى الوراء وسترا عورة ابيهما ووجهاهما الى الوراء.فلم يبصرا عورة ابيهما. 24 فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. 25 فقال ملعون كنعان.عبد العبيد يكون لاخوته. 26 وقال مبارك الرب اله سام.وليكن كنعان عبدا لهم. 27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام.وليكن كنعان عبدا لهم 28 وعاش نوح بعد الطوفان ثلث مئة وخمسين سنة. 29 فكانت كل ايام نوح تسع مئة وخمسين سنة ومات
لو سألتموني عن الجريمة التي ارتكبها حام بن نوح , والتي استوجبت غضب أبيه , وبالتالي لَعْنه , والحكم عليه بالعبودية هو ونسله لإخوته ونسلهم , لأجبتكم لا أعرف . إلا أنني قد أجد الجريمة الحقيقية هي شرب نوح للخمر وغيابه عن الوعي . فغيابه عن الوعي قد يجعله يتعرى ويخرج من مخبأه أيضا , وكذلك قد يجعله يقتل أحد أبنائه , ولربما يقوده إلى اغتصاب زوجة من زوجات أبنائه , كما فعل ( لوط ) مع بناته ( بحسب الكتاب المقدس ) طبعا . كما أن نوحا ( حسب ما قرأنا ) ليس إلا مجرد رجل رضي الله عنه , فهو ليس نبيا ولا رسولا , حتى وإن كان كذلك , من أين له الحق أن يلعن وقد حرم الله على نفسه أن يلعن الناس كما سبق ؟! وما ذنب نسل حام ( كنعان ) ليكونوا عبيدا عند نسل سام ويافث ؟! أم أن الذي كتب هذا الكلام كان في نفسه شيء من أبناء حام فأراد أن يلعنهم جميعا ؟ كما أن التاريخ يُثبت , بموازات الكتاب المقدس , أن كنعان سادوا مرات عديدة على أبناء سام , فالنبوؤة في هذه الحالة تكون باطلة .
عموما , لقد أطلنا في الحديث هذه المرة , فدعونا نقرأ ما يقوله القرآن في أمر نوح ( عليه السلام ) والطوفان :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) آل عمران
سورة نوح
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا (28)
من خلال الآيات السابقة , نجد أن الله اصطفى نوحا ليكون رسولا له , يدعو قومه إلى الله , ويخاف عليهم من غضب الله , ويحذرهم من عذابه . وبعد أن أهلكهم الله , لم يأسف على ما صنع . إذ كيف يأسف وهو خالقهم ؟! وهو الذي يُحييهم ويُميتهم ؟! والذي يأسف هو الذي يُخطيء , والذي يندم هو الذي يرتكب خطيئة , فهل يُعقل أن يكون الخالق خطاء ؟! حسب القرآن , الله لم يُهلك قوم نوح اعتباطا , وكذلك لم يفعل ما فعله فيهم قبل أن يُحذرهم ويُنذرهم ويصبر عليهم طويلا , حتى أن نوحا عليه السلام مكث فيهم تسمائة وخمسين سنة , يدعوهم ويأتيهم بالأدلة والبراهين الدامغة على صدقه , لكنهم أصروا على الكفر والعناد .
ولا ننسى قول الله سبحانه في القرآن : وما كُنا معذبين حتى نبعث رسولا .
أفي الله شك ؟ تعالى الله عما يُشركون
إلى حلقة قادمة , هذا أخوكم
خالد الطيبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق