بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثانية
شكل الإنسان , هل هو مطابق لشكل الله ؟
وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا.فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض. 27 فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه.ذكرا وانثى خلقهم. 28 وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبّ على الارض. 29
بدأ العهد القديم , في سفر التكوين / الإصحاح الأول , بالحديث عن خلق السماوات والأرض , ورتب الخلق حسب الأيام الست من الأسبوع , ليكون يوم السبت , يوم راحة عند الرب وعباده . ما يلفت الانتباه في السرد أنه مترجم من لغة أخرى , فلا نستطيع التعليق على قوة اللغة وبلاغتها ومقارنتها بلغة القرآن , ولن نكون منصفين لو فعلنا ذلك . فالتوراة أصلا لم تنزل على نبي الله موسى ( عليه السلام ) باللغة العربية . ولكن اللافت الأكبر منذ البداية , هو تصوير الانسان على أنه شبيه لله في شكله , أي أن الانسان خُلق على صورة خالقه , مما يخلق انطباعا عند من يؤمن بهذا الكلام أن الله يتصف أيضا بالعجز الانساني , يعمل ويتعب ويبكي ويتألم ويتزوج ويلد ... الخ . والكتاب المقدس لا يُنكر هذا أبدا , وسنجد في القادم من الحلقات أن الله يمشي مثلنا , ونراه ويرانا , ويبعث ابنه الوحيد ليخلص الناس من خطاياهم , ويتصارع مع أحد أنبيائه ولا يقدر عليه , رغم أنه خلق السماوات بمجراتها وشموسها ونجومها وأقمارها , وجناتها ونارها . وخلق الأرض بحيواناتها وطيورها وأشجارها وإنسانها , وبحارها وأنهارها وبراريها ... الخ كما أن مجرد الإيمان بأن الإنسان يشبه الله في شكله , يُصبح عُرضة للخداع والتزوير , وسيقبل به بصدر رحب . فلو جاءه إنسان بعمل بهلواني خارق للعادة مُدعيا الأولوهية , فسيصدقه , وسيصبح عبدا له بملء إرادته . ولو أقدم رجل دين على القول بأنه رأى الله , ثم رسمه له , فسيعبد الرسم أو النحت دون تردد . فكم من صورة للرب تُعرض في دور العبادة , وكم من شكل له , ولون . الناس تؤمن به وتعبده , وتركع أمامه وتناجيه . من أراد أن يُنكر ذلك , فله أن يفعل , وليُنافي العقل كما يشاء .
ماذا يقول القرآن الكريم عن صورة الله ؟
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
سورة النور / 35
ما هي الصورة التي تنطبع برؤوسنا عن شكل الله ؟ كل ما نستطيع أن نراه هو : النور , ولا شيء غيره .
ماذا يقول القرآن عن صفات الله ؟
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
سورة الحشر
إذا , حسب القرآن , فالله قادر قوي لا يتعب , وليس أمره إذا أراد شيئا إلا أن يقول له : كُن , فيكون . وقد يلفت نظرنا هذا القول , عندما نقرأ في العهد القديم هذا الكلام , في سفر التكوين / الإصحاح الأول . فاقرأوه جيدا , وتمعنوا فيه :
في البدء خلق الله السموات والارض. 2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. 4 وراى الله النور انه حسن.وفصل الله بين النور والظلمة. 5 ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا.وكان مساء وكان صباح يوما واحدا 6 وقال الله ليكن جلد في وسط المياه.وليكن فاصلا بين مياه ومياه. 7 فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد.وكان كذلك. 8
إذا كان الله يقول للنور : كُن نورا , فيكون نورا , وكذلك باقي ما خلق , فهل يحتاج إلى راحة ؟ كما جاء بعد ذلك في الإصحاح الثاني من نفس السفر :
فأكملت السموات والارض وكل جندها. 2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل.فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. 3 وبارك الله اليوم السابع وقدسه.لانه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا 4 هذه مبادئ السموات والارض حين خلقت.يوم عمل الرب الاله الارض والسموات 5
صورة الإنسان المُشابهة لصورة الخالق كما في العهد القديم , جعلت الكتاب المقدس كله يتحدث من هذا المُنطلق . في حين أننا نجد القُرآن ينفي هذه الصورة جُملة وتفصيلا , ويقول بأن الله ليس كمثله شيء , وهو مُدرِكٌ للأبصار , ولا تُدركه الأبصار , وبالتالي لا يُدركه الخيال الإنساني أبدا . كما أن القرآن لم يذكر أن أحدا من خلقه قد رآه , ولا حتى رسوله الأكرم ( محمد صلى الله عليه وسلم ) أو كليمه ( موسى عليه السلام ) .
نُتابع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق