السبت، 10 أبريل 2010

هل كلام الله يتناقض مع الثوابت العلمية ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثالثة

هل كلام الله يتناقض مع الثوابت العلمية ؟

النظرة النمطية للكون قبل الفتح العلمي , اختلفت كُليا بعده . بما أننا أدركنا بإيماننا أن الله خالق السماوات والأرض , فهو يعلم حتما ما صنع . وعلمه بما صنع يجعله دقيقا في بيانه وتفسيره من خلال نصوصه التي كتبها في كتبه الموجهة إلى عباده لشرح معالم الكون , تماما كما يشرح الشريعة الكفيلة بسعادة الناس في حال أنهم اتبعوها , وعملوا بمقتضاها .

يقول الكتاب المقدس في سفر التكوين

في البدء خلق الله السموات والارض. 2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. 4 وراى الله النور انه حسن.وفصل الله بين النور والظلمة.

نرى التفكير السطحي لكينونة النور هُنا جليا , بل وهاجز كينونة الرب على شاكلة الانسان راح يسيطر تماما على النص في عدم معرفة الرب بحسن النور من قُبحه , أو معرفته المسبقة أيضا بمعنى النور . لإن وجد أن النور حسنٌ بعد أن كان نورا وليس قبله , فما الذي دعاه إلى خلق النور ؟

ثم يستطرد قائلا

5 ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا.

وحتى نفهم ما عناه بالنور والظُلمة , نقرأ بعدها

16 فعمل الله النورين العظيمين.النور الاكبر لحكم النهار والنور الاصغر لحكم الليل.والنجوم. 17 وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض 18 ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة.ورأى الله ذلك انه حسن.

لو تمعنّا جيدا فيما قرأناه , فسنجد أن النور الذي عناه الكتاب آنفا , ليس هو ذاته النور الذي يعنيه هُنا , وهو الشمس والقمر . وبالتالي , سنجد أن القمر مُنير كما هي الشمس , ولكن أحدهما أكبر من الآخر . والحقيقة العلمية تقول , أن الشمس مُضيئة بذاتها , والقمر مُظلم , لكنه منير لغيره , أي عاكس لنور الشمس .

هل راعى القرآن هذه الأمور ؟ لنقرأ في المقابل ما يقوله القرآن

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)الأعراف

ثم قال في سورة الرعد

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وفي سورة يونس قال

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)

أما في سورة لقمان فنقرأ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29

ثم نقرأ في سورة يس

وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)

وفي الفرقان نقرأ

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61)

لو بحثنا أكثر , لوجدنا العديد من الصور حول ماهية الأرض , وعمل الشمس والقمر . ثم إذا بحثنا في كتب التفسير , سنجد كيف كان عليه العلم قبل الثورة العلمية , وتصور المؤمنين بالقرآن بما يخص هذه الآيات , وهي صحيحة من الناحية السطحية لما رآه العلم في ذلك الوقت , وتبقى النصوص تحافظ على نفسها , بعيدة عن مناقضة الحقائق العلمية . فلو قال المفسرون في ذلك الوقت أن الشمس تجري بين الشرق والغرب , فهذا تفسير منطقي . وعندما جاء العلم بأدوات مكنته من رؤية الجريان للنجوم والكواكب , فسيجدون أن القرآن لا يُناقض هذه الحقيقة بقوله أن الشمس والقمر كلُ في فلك يسبحون , ولا يمكن للشمس أن تُدك القمر . بل إننا سنلاحظ أن القرآن فصل بين ما هو مُضيء بذاته , أو منير بغيره , إذ وصف الشمس بالسراج المضيء , والقمر بالمنير فقط . ثم فصل في منازل القمر , لا ليعلم الناس عدد السنين فقط , بل ليعلموا من خلال منزلة القمر , اليوم الذي يعيشونه من الشهر , من حجم الهلال , حتى يُصبح القمر محاقا , ليعود هلالا كالعرجون القديم , مُعلنا بداية شهر جديد .

السؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل هُناك ما يُبين في القرآن كيف يتكون الليل والنهار ؟

هُناك حقائق عديدة نستطيع أن نراها جلية وواضحة مما سبق وقرأنا في الآيات السابقة , كقوله : يُغشي الليل النهار , أي أن الليل يُغطي النهار , فالأصل في المسألة أن تكون الأرض مُظلمة . وليس أدل على ذلك قوله تعالى : ,وآية لهم الليلُ نسلخُ منه النهار فاذا هم مُظلمون . فاذا انسلخ ضوء الشمس , أصبحت الأرض مُظلمة . وكذلك : يولج الليل في النهار والعكس , يُعطينا صورة واضحة في تداخل الظلمة والنور على الأرض , كونها تدور دون كلل حول نفسها لتُقلب الليل والنهار على ظهرها , كمن يُقلب اللحم فوق النار ليشويه من كل جوانبه . وهذا ما نجده في الآية : ونقلب الليل والنهار . كما أننا نجد في آيات واضحة وصريحة دوران الأرض حول نفسها , وكذلك شكلها البيضاوي , إذ قال سبحانه في سورة النمل :

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88

وقوله في سورة النازعات

والأرض بعد ذلك دحاها ( 30 ) أخرج منها ماءها ومرعاها ( 31 )

ذهب المفسرون للقول عن الأولى بأن الجبال تسير , ولكنهم لم يعرفوا كيف تسير , ومنهم من أرجع السير إلى يوم القيامة . وفي الآية الثانية قالوا بأن دحاها , تعني بسطها . لا بأس فيما قالوا في حدود علمهم . لكننا اليوم أصبحنا نعلم تماما أن الجبال تمر , ولا تسير . فالقرآن ذكر بأن الجبال راسية , أي ثابتة لا تسير . إذا , فالمرور للجبال وهي راكبة ليس كسيرها . فأنا قد أمر عن منطقة وأنا أركب سيارتي , لكنني لا أسير على قدميّ . ولو حاولنا قدر الإمكان أن نتصور كيف تمر الجبال مر السحاب رغم رؤيتنا لها بأنها جامدة , فلن نصل إلا إلى نتيجة واحدة , وهي أن الأرض كلها تسير بنا وبها , وفي النهاية نصل إلى الحقيقة العلمية بدوران الأرض . وهذا ما يجعلنا نقرأ دحاها , بأن جعلها الله كالدّحية , أي كالبيضة . ولها معان أخرى مثل : ساقها , ورماها , وبسطها , ومسح على ظهرها .

ما أريد الوصول إليه , أن استخدام المفردات عند الرب في كتبه , لا بد وأنه استخدام دقيق . فالقرآن ذكر بأن الله بسط الأرض , ومدها .. ولكنه هُنا استخدم مفردة دحاها , وكل هذه المفردات صفات متأصلة في الأرض وماهيتها


إلى حلقة قادمة , أستودعكم الله

تحياتي أنا , أخوكم

خالد الطيبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق